الطاقة النووية في خدمة البشرية

طور فيلسوف العصور اليونانية القديمة ديمقريطوس نظرية معلمه ليوكيبوس حول الذرة فقال أنها غير قابلة للانقسام أو التدمير، ولا يمكن أن تنشأ من العدم، ووضع الأساس للنظرية الذرية. واعتقد أن خصائص المادة تتحدد من خلال الكتلة والشكل وغيرها من الخصائص التي تشكل الذرة؛ وقال «إن ذرات النار حادة وشائكة لذلك النار تحرق، وذرات الماء ناعمة سلسة لذلك الماء يتدفق.»

على مدى آلاف الأعوام تغير مفهومنا للذرة، لكن لم يكن لدى العلماء أدنى شك في أنها غير قابلة للانقسام، ثم شكل العام 1896 نقطة تحول في عالم الفيزياء الذرية، حين وجد أن ذرات بعض العناصر نشطة إشعاعيًا. حتى أن العالم مندليف شك في إمكانية تحول بعض الذرات إلى ذرات أخرى، واعتقد رذرفورد أن البشرية لن تتمكن في المستقبل القريب من استخدام طاقة الذرة. لكن علماء آخرين ركزوا جهودهم على دراسة العناصر المشعة وموضوع الإشعاعية، فأصبح الأخير بالنسبة لهم هدف الحياة. نقصد هنا كل من الفرنسي هنري بيكريل، بيير وماري كوري.

مرت الأعوام وبدأت البشرية بالتفكير في كيفية استخدام الطاقة النووية. لكن المؤسف أن الاستخدام الأول للطاقة النووية طابع عسكريًا بحتًا. من ناحية أخرى، طورت روسيا أول محطة للطاقة النووية في العالم للأغراض السلمية، وأول كاسحة جليد بمحرك نووي وهي كاسحة الجليد لينين، والآن تعد روسيا الرائدة عالميًا في مجال مفاعلات الطاقة النووية ذات النيوترونات السريعة.

وبظهور استخدام الطاقة النووية، ظهرت أيضًا الفوبيا المرتبطة بالمفهوم الغامض للإشعاع. أصبح الناس يخافون من فكرة تشغيل محطات الطاقة النووية، بحجة تزايد الخلفية الإشعاعية الطبيعية، وتجاهلوا أن النشاط الإشعاعي ظهر بالتزامن مع بداية نشأة الكون، ورافقت تطور الحياة على كوكبنا. وعلاوة على ذلك، فمن المعروف أن الجسم ولأسباب طبيعية؛ ذو نشاط إشعاعي، وفي بعض الأماكن في باطن الأرض يوجد مصادر مشعة تشكل المنتجعات بما في ذلك الينابيع التي توفر العلاجات الصحية المختلفة. و الاعتقاد بفوائد المياه المعدنية العلاجية يعود إلى عصور ما قبل التاريخ.

ومع ذلك؛ من غير الإنصاف القول بأن النظائر المشعة المتولدة في وقود محطات الطاقة النووية آمنة تمامًا. بالطبع الأمر ليس كذلك، لكن العلماء والمهندسين طوروا وسائل موثوقة وأنظمة أمان عالية لأجل الإبقاء على هذه النويات المشعة حبيسة داخل الوقود النووي. بناء على ذلك؛ يمكن القول إن جوهر الطاقة النووية قائم على أساس آمن. إذ يَعتبر معظم الخبراء وبعض علماء البيئة أنه وفي الوقت الحاضر لا بديل آمن سوى الطاقة النووية، إذ أنها تقود إلى دور ريادي، مع الأخذ بعين الاعتبار قصور ومحدودية مصادر الطاقة الهيدروكربونية وغياب تطور الطاقة المتجددة.

على مدى الأعوام الخمسين المقبلة، ستستهلك البشرية طاقة أكثر مما استهلكت في التاريخ الماضي بأكمله، فمستوى الاستهلاك ينمو بوتيرة سريعة، وستحصل البشرية على مصادر جديدة للطاقة على نطاق صناعي وبأسعار تنافسية بحلول العام 2030، بالتزامن مع تزايد حدة مشكلة نقص موارد الوقود الأحفوري.

وكذلك فإن إمكانية بناء محطات توليد الطاقة الكهرومائية الجديدة محدودة جدًا. ولا ننسى
أيضًا مكافحة تأثير الاحتباس الحراري وما يفرضه من قيود على حرق النفط والغاز والفحم في محطات الطاقة الحرارية.

ويكمن حل هذه المشكلة في التطور النشط للطاقة النووية، الذي يعد من أصغر القطاعات الديناميكية النامية في الاقتصاد العالمي. واليوم يوجد تزايد ملحوظ في توجه عدد من البلدان في العالم العربي إلى ضرورة البدء في التطوير السلمي لطاقة الذرة؛ نذكر منها الإمارات العربية المتحدة، وجمهورية مصر العربية، والمملكة الأردنية الهاشمية...

جهود عربية

وتسير دولة الإمارات بخطى ثابتة نحو تحقيق الحلم النووي العربي، وهي الآن في صدارة الدول العربية، إذ بدأت بالفعل بإنشاء محطة طاقة نووية للأغراض السلمية لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة الكهربائية، وتطور مؤسسة الإمارات للطاقة النووية -وهي الجهة الرسمية المسؤولة عن تطوير البرنامج النووي الإماراتي السلمي- محطة الطاقة النووية في موقع براكة التابع لإمارة أبو ظبي.

وسبق أن أعلنت مصر أن أعمال إنشاء أول محطة للطاقة النووية ستبدأ قريبًا في منطقة الضبعة بالتعاون المشترك مع شركة روس آتوم الروسية ما يسهم بشكل كبير في توفير طاقة آمنة ونظيفة وبتكلفة منخفضة.

وتستورد الأردن طاقة بنسبة تصل إلى حوالي 97%، والمخرج الوحيد لهذه الأزمة هو الاستثمار في تطوير الطاقة النووية السلمية التي ستوفر كميات كبيرة من الطاقة تفوق كمية الطاقة المتولدة من الوقود الأحفوري بملايين المرات.



وعمدت الأردن في العام 2008، إلى تأسيس هيئة الطاقة الذرية الأردنية للعمل على تحقيق الحلم الأردني في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية لتنفيذ خطة وطنية إستراتيجية لتوطين التكنولوجيا النووية في الأردن.

المشروع النووي لأي دولة في العالم يعد مشروعًا وطنيًا، لا يُنتظر منه تحقيق أرباح اقتصادية في وقت سريع، فهو مشروع مستدام طويل الأمد ومع مرور الزمن تبدأ النهضة الاقتصادية بالتشكل.

مزايا استخدام الطاقة النووية في العالم العربي

من أهم مزايا استخدام تقنية الطاقة النووية السلمية في العالم العربي؛ أن كمية الطاقة الضخمة التي نحصل عليها من الاحتراق الكامل لكيلوجرام واحد من اليورانيوم المستخدم في الوقود النووي، وبنسبة تخصيب تصل إلى 4%، تطلق طاقة تعادل حرق 100 طن من الفحم عالي الجودة أو 60 طنًا من النفط.

ولا تحترق المواد الانشطارية (اليورانيوم 235) المستخدمة في الوقود النووي بشكل كامل ويمكن استخدامها مرة أخرى بعد تجديدها على عكس الرماد وبقايا الوقود العضوي. وعلى المدى الطويل يتم الانتقال إلى دورة الوقود المغلقة، ما يعني تقريبًا الغياب الكامل للنفايات النووية.

ويمكن اعتبار التنمية المكثفة للطاقة النووية إحدى الوسائل الكفيلة بمكافحة الاحتباس الحراري، فعلى سبيل المثال، تتجنب محطات الطاقة النووية في أوروبا سنويًا انبعاث 700 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون. وتعمل محطات الطاقة النووية العاملة في روسيا سنويًا على منع إطلاق حوالي 210 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. ووفقًا لهذا المؤشر، فإن روسيا تحتل المرتبة الرابعة عالميًا.

ويوفر بناء محطات الطاقة النووية نموًا اقتصاديًا بالإضافة إلى خلق فرص عمل جديدة، إذ أن موقع العمل الأولي أثناء بناء محطة الطاقة النووية يخلق أكثر من 10 آلاف فرصة عمل في الصناعات ذات الصلة. ويسهم تطوير الطاقة النووية في نمو البحث العلمي وزيادة حجم صادرات المنتجات التقنية عالية المستوى. وهناك عديد من المزايا؛ مثل الاستخدام الطبي، وتحلية ماء البحر.

إن استخدام الخيار النووي السلمي في الدول العربية يشكل عاملًا مهمًا في نهضتها؛ اقتصاديًا وعلميًا على حد سواء، وهذا لا يعني تهميش باقي مصادر الطاقة المتجددة؛ مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والمياه، بل يجب أن يتم تطويرها جنبًا إلى جنب من أجل الحصول على مصادر متنوعة  تقضي على مشاكل استيراد الطاقة إلى الأبد.

الإنسان يخشى ما يجهل

الإنسان يخشى المجهول. يخشى ما لا يدركه عقله، وما لا يستطيع تصوره، لذلك يقع على عاتق المتخصصين في المجال النووي توضيح وتبسيط مفهوم وأهمية استخدام الطاقة النووية السلمية من أجل تحقيق النهضة الوطنية الشاملة. إن الحوار العلمي المنطقي المبسط، غير المنحاز إلى أي طرف كان، يجب أن يكون بتدرج فكري واضح من أعلى الهرم المعرفي إلى أدناه، ليصل إلى كل إنسان بغض النظر عن تخصصه ومجاله ودوره في الحياة.

 

تمّت مشاركة هذا المقال من قبل الباحث أيمن أبو غزال

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى وفقًا لدراسة جديدة مثيرة للجدل … يمكن للآباء توريث حمض الميتوكوندريا النووي لأبنائهم!!